العيني

125

عمدة القاري

رواه ابن ماجة وفي حديث أبي رزين العقيلي أخرجه أصحاب السنن الأربعة ، وفي حديث سودة رواه أحمد في ( مسنده ) وفي حديث عبد الله بن الزبير أخرجه النسائي : أن السائل رجل سأله عن أبيه . وفي حديث سنان بن عبد الله أن عمته حدثته رواه الطبراني ، وقد ذكرناه عن قريب ، وفيه : ( أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول الله توفيت أمي . . . ) الحديث . والجمع بين هذه الروايات ما قاله شيخنا زين الدين ، رحمه الله : إن السؤال وقع مرات : مرة من امرأة عن أبيها ، ومرة من امرأة عن أمها ، ومرة عن رجل عن أمه ، ومرة من رجل عن أبيه ، ومرة من رجل عن أخيه ، ومرة في السؤال عن الشيخ الكبير ، ومرة في الحج عن الميت . فإن قلت : هل يعلم السائل عن هذا رجلاً كان أو امرأة ؟ قلت : أما الرجل فقد سمي من السائلين ، من ذلك حصين بن عوف ، كما ذكره ابن ماجة وسمى منهم : أبو رزين لقيط بن عامر ، كما هو عند أصحاب السنن ، وأما النساء فلم يسم منهن أحد إلاَّ في رواية سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمته لم تسم ، وفي حديث النسائي ( إن أحد النساء ، امرأة سنان بن سلمة الجهني ، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمها ماتت ) الحديث . والمرأتان ذكرتا في الحج عن الميت لا عن المعضوب ، وهو بالعين المهملة والضاد المعجمة : الزمن الذي لا حراك به . قوله : ( فجعل الفضل ) ، كلمة : جعل ، من أفعال المقاربة ، وجعل وضع لدنو الخبر على وجه الشروع فيه ، والأخذ في فعله . وقوله : ( الفضل ) اسم جعل وقوله : ( ينظر إليها ) في محل النصب خبره إلى المرأة المذكرة قوله ( وتنظر إليه ) أي تنظر المرأة إلى الفضل والكلام في قوله : ( وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف ) مثل الكلام في : ( جعل الفضل ) . قوله : ( إلى الشق ) أي : إلى الجنب الآخر ، وهو بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف . قوله : ( شيخا ) ، نصب على الحال وكبيرا صفة شيخا . وقوله : لا يثبت أيضا في محل النصب على الحال ، فهما حالان متداخلتان ، ويجوز أن يكون : لا يثبت ، صفة لشيخا ، ومعناه : وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ ، وحصل له المال في هذه الحالة . قوله : ( أفأحج عنه ؟ ) الهمزة للاستفهام ، والفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة ، والتقدير : أنوب عنه فأحج ؟ وإنما قدرنا هكذا لأن الهمزة تقتضي الصدارة والفاء تقتضي عدمها . قوله : ( وذلك في حجة الوداع ) ، بكسر الحاء وفتحها ، وسميت بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها ، وليست هذه الإضافة للتقييد التمييزي لأنه لم يحج بعد الهجرة إلاَّ حجة واحدة ، وهي هذه الحجة . ذكر ما يستفاد منه فيه : جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة ، والإرداف للسادة والرؤساء سائغ ، ولا سيما في الحج لتزاحم الناس ، ومشقة سير الرجالة ، ولأن الركوب فيه أفضل كما سيجيء إن شاء الله تعالى . وفيه : دلالة على أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام ، وهو إجماع كما حكاه أبو عمر ، ويحتمل كما قال ابن التين : أنها سدلت ثوبا على وجهها . وفيه : في نظر الفضل مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الشهوات . وفيه : أن العالم يغير ما أمكنه إذا رآه واستدل ابن المنذر من حديث ابن عباس ، قال : ( كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فجعل الفضل يلاحظ النساء وينظر إليهن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن أخي هذا يوم ، من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ) . ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر إليه ، وكان الفضل ، وسيما ، أي : جميلاً ، ويحتمل أن يكون الشارع اجترأ بنفع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه ، لأن حكمهما واحد ، أو تنبهت لذلك ، أو كان ذلك الموضع هو محل نظره الكريم فلم يصرف نظرها ، وقال الداودي : فيه : احتمال أن ليس على النساء غض أبصارهن عن وجوه الرجال ، إنما تغضضن عن عورتهن . وقال بعض المالكية : ليس على المرأة تغطية وجهها لهذا الحديث ، وإنما على الرجل غض البصر ، وقيل : إنما لم يأمرها بتغطية وجهها لأنه محل إحرامها ، وصرف وجه الفضل بالفعل أقوى من الأمر ، وذهب ابن عباس وابن عمر ، رضي الله تعالى عنهم ، إلى أن المراد في قوله تعالى : * ( ولا يبدين زينتهن إلاَّ ما ظهر منها ) * ( النور : 13 ) . أي : الوجه والكفان . وفيه : جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبا ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق . وقال مالك والليث والحسن بن صالح : لا يحج أحد عن أحد إلاَّ عن ميت لم يحج حجة الإسلام ، وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال مشهورها : لا يجوز ، ثانيها : يجوز من الولد . ثالثها : يجوز إن أوصى به ، وعن النخعي وبعض السلف : لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره ، وهي رواية